أشعلت شموع الترحيب وأضئيت مصابيح التهليل
بقدومك إلى أرض الحب منتداك منتدى بن نجوع
ننتظر بث مدادك العذب عبر أثير المنتدى
ونتمنى لك قضاء أمتع وأجمل وأحلى الأوقات
كما نرجوا لك الفائدة
المنتدى منتداك
والقلم سيفك
فامتطي صهوه الفكر
وجواد الكلمة
لرسم لوحات أبداعك
في منتدى بن نجوع
و ختام القول : حللتم اهلا و نزلتم سهلا ...

كتاب تاريخ تبسة وجهاد اهلها في القرن 19 م ( الجزء الثاني )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

كتاب تاريخ تبسة وجهاد اهلها في القرن 19 م ( الجزء الثاني )

مُساهمة  tebessi في الإثنين يوليو 28, 2008 11:01 pm

المطلب الثالث: معركة عين زوارة
انشغلت قوات الاحتلال في سنة 1846، بإخماد نار المقاومة التي أشعلها الأمير عبد القادر، في وسط وغرب وجنوب الجزائر بعد عودته من المغرب. وسعت بكل جهد لعرقلة تحقيق دعوته للقبائل التي زارها في تلك المقاطعات ومطالبتها بـ: "هجرة الأرض التي دنسها وجود الكفار، وتقوية صفوف الأمة الجديدة التي أنشأها في المغرب الأقصى".
وانشغلت في مقاطعات الشرق الجزائري، بمواجهة جيوب المقاومة في جبال شمال سطيف، وفي منطقة الحدود الشرقية، ومنها منطقة تبسة التي وقعت فيها معركة عين زوارة على ضفاف وادي الركل.
ففي يوم 29 ماي 1846، زحف الجنرال "راندون" على تبسة بقوات جرارة، جاب بها الشريط الحدودي المضطرب، وحارب بها القبائل الثائرة هناك،وأرهب بها القبائل الجزائرية غير الخاضعة. وفي الفاتح من جوان، قرر أن يخلي عددا من الجرحى إلى مركز قالمة العسكري، فجهز قافلة وضمهم إليها، ثم كلف قايد أولاد سيدي يحيى باصطحابها وحراستها إلى أن تخرج من إقليمه، فيتسلمها قايد الإقليم الموالي، وهكذا إلى أن تبلغ وجهتها.
لكن، حسب الملازم "كاستيل": خدعته تأكيدات قايد أولاد سيدي يحيى بن طالب، حول رغبة هذه القبيلة في الخضوع. فاعتقد أن بإمكانه إرسال قافلة صغيرة من الجرحى إلى عنابة، عبر جبال الدير، تحت حماية خمسة فرسان من الكتيبة الثالثة صبايحية، بقيادة الملازم أمراوي. ضم إلى تلك القافلة بعض المرضى، وبعض الجنود العائدين إلى فرنسا –بعد أن أتموا مدة الخدمة العسكرية- بلغ عددهم في المجموع 100 نفر".
وقعت المعركة في الفاتح جوان، في منطقة وادي الركل، الواقعة في شمال جبل الدير، بالمنطقة المعروفة باسم: عين زوارة. حيث نصبت فرقة الورفلة كمينا في ذلك المكان، وهاجمت القافلة لما بلغته، وقضت على جميع أفرادها. ونرجح أن تكون المكيدة قد تمت بتدبير من قايد أولاد سيدي يحيى بن طالب، سي محمد الطاهر بن بلقاسم.
اختلفت الروايات الفرنسية القليلة التي تحدثت عن تلك الواقعة، وأمكننا قراءتها، في تحديد عدد أفراد القافلة، وعدد مهاجميها من الجزائريين.
فقد ذكر أحد الضباط الفرنساويين، أن الآلاف من الفرسان والمشاة من فرقة الورفله من قبيلة أولاد سيدي يحيى، شنوا في ذلك اليوم هجوما مباغتا بقيادة شيخ مرابط، على تلك القافلة. فأبادوا جميع أفرادها، ولم ينج منهم سوى جندي صبايحي واحد، تمكن بأعجوبة من الإفلات من قبضة المجاهدين، وبلوغ مركز قيادته بتبسة في اليوم الموالي. وذكر قائد المستشفى العسكري بسوق أهراس: الطبيب "روكيت (Rouquette)"، أن: "في الفاتح جوان، تعرضت قافلة بها 20 مريضا، كانت متجهة إلى قالمة تحت حراسة قايد أولاد سيدي يحيى، لهجوم من قبل بضعة مئات من الفرسان، فذبح جنودنا المساكين".
وجاء في رواية "راندون" أن: "جنديا صبايحيا واحدا نجا من المجزرة ومن الملاحقة الضارية. حيث رمى خلفه برنسه، وعمامته، وسرواله، واختفى في الأحراش رغم كثرة جروحه؛ وفي الصباح الباكر ارتمى رجل عريان في أحضان حرس اللفيف الأجنبي. كان ملطخا بالدماء، ويتلفظ بكلمات مبهمة،... اقتيد إلى خيمة الجنرال، وتم التعرف إليه بأنه أحد صبايحية القافلة التي توجهت بالأمس نحو عنابة".
ويقول "كاستيل" عن الكيفية التي هاجم بها الجزائريون تلك القافلة العسكرية: "كانت القافلة قد هوجمت على حين غرة، لحظات بعد بلوغها مرتفعات واد الركل بإقليم الدائرة، وأبيدت على يد أناس من فرقة الورفلة، من قبيلة أولاد سيدي يحيى بن طالب. فالشيخ علي بن بوحيطة وحده قتل طبيبا، ونقيبا، وضابط صبايحية من الأهالي، بالإضافة إلى أربعة جنود فرنسيين، قاوم الملازم أمراوي المهاجمين مقاومة ميؤوسة، وتمكن بمساعدة رجال معافين، في حوالي ثلاثة مواقع، من صد كل الهجمات. لكنه سقط في يد العرب بعد أن قتل جواده، وبقي معه سوى صبايحي واحد".
ونرجح أن يكون قايد أولاد سيدي يحيى، سي محمد الطاهر بن بلقاسم، قد اتفق مع فرقة الورفلة على أن تهاجم هي القافلة، وتنتقم من عدوهم المشترك ومما فعله بهم عندما هاجمهم في الدير. بينما يتظاهر هو بالبراءة أمام السلطة العسكرية فقد: "أسرع قايد أولاد سيدي يحيى بن طالب إلى الارتماء أمام الجنرال، وبصوت باك ظل يردد أن قومه غدروا به، وأنه يرفض أن يكون شريكا في مثل هذا العدوان، ومستعدا أن تضرب عنقه، ويفتدي بدمه".

المطلب الرابع: معركة الدير الثانية.
وقعت هاته المعركة في يوم 2 جوان 1846، في هضبة الدير، عندما قرر الجنرال "راندون" توجيه حملة تأديبية ضد فرق أولاد سيدي يحيى المقيمة في تلك الهضبة، انتقاما لجنده الذين قتلوا في موقعة وادي الركل على يد فرقة الورفلة كما مر معنا فقد: "توجه الجنرال راندون إلى جبل الدير، لمعاقبة القبيلة المذنبة، حيث احتمى أولاد سيدي يحيى بن طالب مع قطعانهم الكبيرة معتقدين أنهم في حصن حصين... توقف الجيش عند سفح رأس السطح، لأن مجموعات مسلحة عديدة كانت أمامه، واتخذت فيه المدفعية موقعا لها".
وبحسب شهادة الجنرال "راندون"، التي أوردها "كاستيل"، فإن: "أول من بدأ التسلق [أي تسلق مرتفعات جبل الدير] كان جند الصبايحية، ثم تلتهم فرقة اللفيف الأجنبي. كان يستوجب على فرقة الخيالة، بذل مجهود، أو بالأحرى مهارة للوصول إلى هناك ومع ذلك صعدت في وسط وابل من الرصاص، متبوعة بفرق المشاة، وفي لحظة أبيد جبل أولاد سيدي يحيى بن طالب".
ويتبين من رواية "كاستيل" عن مجريات المعركة، الشجاعة التي أبداها المجاهدون التبسيون في الدير، والتضحيات الجسام التي قدموها في سبيل الله والوطن، ونعتقد أن الأحداث لم تتم بتلك السهولة التي ذكرها الجنرال.
فبعد أن صعدت قوات العدو مرتفعات رأس السطح بصعوبة شاقة وتكبدت خسائر في الأرواح، شن عليها أولاد سيدي يحيى هجمات شرسة، ففي الحال: "بدأ هجوم شرس خسر فيه العدو 200 قتيل، وتعرض لغزو كاسح. وفي الغد، هاجم أولاد سيدي يحيى بن طالب المعسكر الذي بقي في رأس السطح. فردوا على أعقابهم وسقط منهم 100 رجل آخر".
وتذكر رواية أخرى أن القوات الفرنسية: "عاقبت الثوار عقوبة مثالية حيث شنت عليهم مدفعيتنا هجومين، وخسر العدو 300 رجل... وفرضت عليهم غرامة مالية بقيمة 30 ألف فرنك، تم تحصيلها في ظرف ثلاثة أيام، وقدم إلى العدالة خمسة من أنصار الحسناوي، المحرضين على تلك المكيدة"
بينما حدد أحد ضباط جيش الاحتلال خسائر المجاهدين في تلك المعركة بأقل من ذلك، حيث قال: "هاجم فرساننا أولئك المتعصبين ففرقوا جمعهم، وقتلوا منهم أكثر من 100 رجل".
انتقم العدو الفرنسي من المقاومين التبسيين في الدير شر انتقام. إذ: "... أجبر أولاد سيدي يحيى بن طالب، على دفع غرامة مالية بقيمة 30 ألف فرنك، خلال ثلاثة أيام، وسجن القايد سي محمد الطاهر بن بلقاسم بعيدا عن وطنه، بعد أن حمّل المسؤولية، وعرض على القضاء خمسة أشخاص بتهمة التحريض على القتل الجبان لمرضانا. أما فرقة الورفلة التي ارتكبت الجريمة، كانت الوحيدة التي فرت بجميع خيامها الثمانين. فاستهلكنا محاصيلها الزراعية، وصادرنا مدخراتها من الحبوب.
وبعد سنتين ناشدت تلك الفرقة السماح لها بالعودة إلى إقليمنا. فسُمح لها بشرط ألاّ تعود إلى أراضيها القديمة، وأن تتخذ حلوفة (بجبل قريقر) موطنا لها، حيث تكون في قبضة السلطة. بينما وزعت حصص الأراضي التي كانوا يملكونها على فرقة القبيلة التي حلوا محلها في حلوفة. وبذلك دخلت قبيلة أولاد سيدي يحيى بن طالب، بعد هذا الدرس القاسي في خضوع تام لنا".
وما يمكننا استخلاصه من تلك الروايات المختلفة:
أولا: أن الجنرال "راندون" جيش جيشا كبيرا لهذه المعركة، أقحم فيه جند الصبايحية الذين هم من الأهالي الجزائريين، وفرقة اللفيف الأجنبي، ولأول مرة في حدود اطلاعنا، يصرح فيها بوجود فرقة لفيف أجنبي في الجزائر، تقاتل في صفوف جيش الاحتلال الفرنسي،وتساهم في بسط السيطرة الفرنسية على البلاد.
ثانيا: شهدت مختلف الروايات الفرنسية المذكورة على شراسة مقاومة سكان الدير من أولاد سيدي يحيى، حيث تصدوا للهجوم الفرنسي ببسالة، وواجهوه بـ: "وابل من الرصاص"، وقدموا العديد من الشهداء.
ثالثا: امتنع قائد الحملة الفرنسية عن ذكر عدد قتلاه في المعركة التي وصفها بالشرسة؛ ومع ذلك نرجح أن يكون عددهم كبيرا، نظرا للطريقة التي هاجموا بها. فكما مر معنا أرادت القوات الفرنسية تسلق هضبة الدير الشامخة، وبلوغ مرتفعاتها الشاهقة، حيث تتمركز القوات الجزائرية، مما يجعلها في مركز ضعف، وفي مرمى نيران الجزائريين.
رابعا: عاقب جيش الاحتلال أهالي الدير بعد أن تمكن منهم، بالمغرم، ومصادرة الممتلكات، والتغريب عن الديار، وهي العقوبة التي سرت على كل من قاومهم من القبائل الجزائرية.
avatar
tebessi

عدد الرسائل : 95
تاريخ التسجيل : 06/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى