أشعلت شموع الترحيب وأضئيت مصابيح التهليل
بقدومك إلى أرض الحب منتداك منتدى بن نجوع
ننتظر بث مدادك العذب عبر أثير المنتدى
ونتمنى لك قضاء أمتع وأجمل وأحلى الأوقات
كما نرجوا لك الفائدة
المنتدى منتداك
والقلم سيفك
فامتطي صهوه الفكر
وجواد الكلمة
لرسم لوحات أبداعك
في منتدى بن نجوع
و ختام القول : حللتم اهلا و نزلتم سهلا ...

كتاب تاريخ تبسة وجهاد اهلها في القرن 19 م ( الجزء الخامس )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

كتاب تاريخ تبسة وجهاد اهلها في القرن 19 م ( الجزء الخامس )

مُساهمة  tebessi في الإثنين يوليو 28, 2008 11:07 pm

المطلب الثامن : معركة بكاريا
دارت هذه المعركة في خريف سنة 1853، بين فرقة أولاد سيدي عبيد المقيمة في بكاريا، تآزرهم فرق أخرى قدمت من تونس من جهة، والجيش الفرنسي ممثلا في قوات النقيب "ألجرو (Allegro)" الحاكم العسكري لدائرة تبسة من جهة أخرى.
وبحسب رواية "كاستيل" فإن السبب في قيام هذه الثورة، هو رفض فرقة أولاد سيدي عبيد القاطنين في بكاريا، الدخول في طاعة القائد الجديد الذي عينتهم لهم سلطة الاحتلال من خارج أبناء القبيلة.
لأن أولاد سيدي عبيد الذين بقوا في الدائرة، يعتبرون أنفسهم أرفع نسبا بكثير من أهل بكاريا، وقبلوا على مضض القايد الذي فرض عليهم؛ بالإضافة إلى رفضهم التنظيم الإداري الجديد الذي وضعته سلطات الاحتلال لمنطقة بكاريا بقصد بسط يدها على تلك الجهات من إقليم تبسة ومنع تنقل سكانها بين الجزائر وتونس، وإجبارهم على الاستقرار فوق أراضٍ حددتها لهم سلفا.
وهو ما دفعهم إلى إبلاغها بأنهم: "سينتقلون إلى الأراضي التونسية في حال ما أجبروا على الخضوع لحكمنا مثل باقي القبائل".
لكن أبناء هذه القبيلة ظلوا على قناعتهم بأنه لا يجوز لهم كمسلمين وكأشراف الدخول في طاعة الكافر.
قرر في أكتوبر 1853، شريف من فرقة أولاد سيدي عبيد المقيمة في تونس عمار بن قديدة، مهاجمة قوات العدو الفرنسي في تبسة، واسترداد أراضي أجداده تتقدم على رأس قوات ضمت إلى جانب أبناء عشيرته، عناصر من قبيلة الفراشيش جندهم في تونس، وعبر بهم الحدود الشرقية في اتجاه بكاريا.
استنفر ابن قديدة بني قومه المقيمين في بكاريا، وطلب منهم مهاجمة مدينة تبسة التي تتمركز بها قيادة جيش الاحتلال بالمنطقة.
نرجح أن يكون سبب مشاركة الفرق التونسية في الانتفاضة. هو انتقام فرق الزغالمة من الهجوم الفرنسي الذي شن عليها وعلى بعض الفرق التونسية في 8 أفريل 1853 عندما التجأت في مطلع تلك السنة إلى التراب الجزائري، واستقرت بالقرب من تبسة، لكي لا تدفع الضرائب لباي تونس. ويروي "فيرو" وقائع معركة بكاريا، بأسلوب الازدراء للثوار، والتدليس للحقائق قائلا: ".... في حدود الساعة العاشرة صباحا من يوم السادس نوفمبر، قدم أحد الفرسان الجدد، وأكد أن الشريف خيم على بعد ثلاثة كلم من بكاريا، بمعية 100 خيال، وحوالي 300 جندي مشاة. جالت رسله قبل ذلك بين قبائلنا، لتجنيد الأنصار. فرأى "جابي (japy)"، الملازم الأول من كتيبة الزواف الثالثة، والقائد بالنيابة في تبسة، بحكمة أن الوقت كان مناسبا لصد هجمات الشريف ، وبالإمكانيات القليلة التي تتوفر عليها الحامية.لأنه لو تم الانتظار إلى اليوم التالي لاجتمع المتطرفون كل الجهات، ولصار من الصعب الخروج من تبسة.
بهذا القرار الصارم، أجبر الملازم الأول جابي... مفرزة الصباحية، و فرسان القايد محمد شاوش، كانوا في المجموع 56 فارسا،على الإسراع في امتطاء صهوة جيادهم، ثم سار بهم باتجاه الشريف. ظل 100 جندي من الزواف، و60 مناوشا في تبسة، لتأمين حماية حماية الموقع. وتخندق نصف المناوشين في منتصف طريق بكاريا، لدعم تراجع فرساننا عند الضرورة. ولما اقتربوا قليلا من معسكر العدو، وجدوا أن الشريف قد نضم رجاله عند سفح التلال في هيئة مناوشين راجلين، بينما أقام هو مع فرسانه في مخفر أمام خيمته، ووضع جوقة الموسيقى العسكرية في الطليعة، مترقبا بذلك الهجوم بخطى ثابتة. وعندما وصل قايد تبسة محمد شاوش على مسافة معينة، اتجه صوب الشريف، ودعاه إلى الاستسلام؛ فرد عليه بالشتائم. فكان ذلك إيذانا ببدء القتال: دق بوق الهجوم، فانقض الصبايحية بقيادة الملازم الأول "جابي"، والملازم "كوهنديCohendet " مباشرة على الشريف.
كان أول من وصل إليه، رقيب الفرسان "بروا" وبضربة سيف واحدة قسم وجهه نصفين. عندها اختلط الحابل بالنابل، وفر الثوار قي جميع الاتجاهات، بعد أن فقدوا زعيمهم، ونجوا بفضل صعوبة التضاريس. كانت حصيلة المعركة فقدان العدو اثني عشر قتيلا، ظلت جثثهم جاثمة في مكانها، بينما لم يصب منا إلا جريح واحد. غنمنا خيمة الشريف ، وثلاث رايات دينية من الحجم الكبير، و300 لافتة كانت ستوزع في الغد على العرب الثائرين، هذا بالإضافة إلى عدة بنادق، وخوذات نحاسية عتيقة جيء بها من بعض متاحف الزوايا. في حوالي الساعة الخامسة مساء، عاد الملازم الأول "جابي" مع جنده إلى تبسة مع جثث المهزومين، تغمرهم الصيحات المتحمسة لرجال الحامية، الذين لم يتمكنوا من المشاركة في تلك الضربة المفاجئة، والجريئة.
ومع أن جيش العدو كانت له الغلبة في هذه المعركة، إلا أن أولاد سيدي عبيد، لم يذعنوا له. حيث اختارت فرقتهم المقيمة في بكاريا هجرة البلاد والالتجاء إلى تونس، كوسيلة من وسائل المقاومة، وظلت تتحين الفرص لتنتقم منه. ويتجلى الطابع الديني الذي كان يحكم تصرفات هذه القبيلة، في إصرارها على رفض الخضوع "للرومي". فالاستلام يحرم موالاة الكفار أو مواليهم من المسلمين والخضوع لحكمهم.
ويمكننا تأكيد ذلك من خلال رواية هذا الجنرال الفرنسي عن وقائع معركة بكاريا، رغم ما فيها من مغالاة وتدليس للحقائق معهود لدينا من ضباط جيش الاحتلال، دور الطرق الصوفية في قيادة المعركة، وخاصة منها الطريقة الرحمانية. فقد كان الطابع الديني هو المحرك الأساس في مقاومة أولاد سيدي عبيد، وكانت الزاوية هي معقد لواء جهادهم.
كما تكشف لنا تلك الرواية عن شخصية جهادية وطنية لم تنل حضها من الدراسة والبحث، هي شخصية الشريف عمار بن قديدة العبيدي، الذي في نظرنا يمثل قائدا عسكريا بأتم معنى الكلمة.
أعد للمعركة ما استطاع من قوة، ومن رباط الخيل، وصبغها بالصبغة الجهادية. ثم خاض المعركة بكل بسالة ونال الشهادة.
مع ظروف الشيخ بوعمامة. فكليهما نشأ في المهجر: الأول في تونس، والثاني في المغرب، ثم عاد إلى أرض الوطن على رأس قوات لمقارعة العدو.
هذا بالإضافة إلى أن الرواية تشهد على نزعة الكراهية والغل، التي كانت تطبع تعامل عساكر الاحتلال مع قتلانا، وجرحانا، وأسرانا، وتكشف عن طبيعة السياسة التي كان يتبناها المحتل الفرنسي في حق المجاهدين الجزائريين، والتي كانت قوامها: نهب ممتلكاتهم، ومصادرة أراضيهم، وضرب بنيتهم الاقتصادية، والاجتماعية. وهي المعاملات ذاتها التي ستتكرر وبشكل فضيع خلال فترة الثورة التحريرية.
وبالتالي، نجد أنفسنا في غياب الرواية الجزائرية عن تلك المعركة، في شك مريب من الرواية الفرنسية، ولا نضن أن تكون الوقائع التي حدثت في هذه المعركة، إلا أن أولاد سيدي عبيد،لم يذعنوا له. حيث اختارت فرقتهم المقيمة في بكاريا هجرته و الالتجاء إلى تونس، كوسيلة من وسائل المقاومة، وظلت تتحين الفرص لتنتقم منه.
ونرجح أن يكون الصفح الذي تقدمت به بعض أسر القبيلة المقيمة حول زاوية سيدي عبيد إلى سلطة الاحتلال في شهر مارس 1857، تكتيكا تمويهيا الهدف منه ضمان بقائها في الزاوية لمراقبة العدو عن كثب، وتقديم يد العون للمتمردين من الفرق الأخرى. فقد تفطنت الإدارة الاستعمارية لما كانت تسميه الموالاة الكاذبة، حيث رفضت طلبهم واشترطت عليهم أن يقدم فرق القبيلة؛ وانتظرت ردهم بكل شغف. غير أن انتظارها طال، ورجائها خاب.
فبدلا من أن يطلب منها أولاد سيدي عبيد الأمان، ويدخلون في طاعتها، كثفوا من هجماتهم على عساكرها. وهو ما أدى بالقيادة العسكرية إلى تكليف الرائد "بنوفالي Bonvalet" بوضع حد لتمردهم، وشن هجوم مباغت عليهم في عقر دارهم بالزاوية، ومعاقبتهم أشد العقوبة.
ففي شهر جوان، "أخذوا على حين غرة في واد الصفصاف. وقتل منهم 50 نفرا، وسلب منهم 300 بعيرا".
شهدت سنة 1853، انخفاضا كبيرا في المحصول الزراعي بمنطقة تبسة، وارتفاعا فاحشا في أسعار الحبوب. مما انعكس سلبا على معيشة السكان، وعلى مواردهم المالية. وكانت من نتائجه أيضا عجز الفرق الخاضعة مثل فرقتي العلاونة، وأولاد رشاش عن دفع ما عليها من ضرائب للمستعمر. إذ لم تدفع سوى خمس ما عليها من ضرائب.
وبما أن سلطات الاحتلال لم تكن تتساهل في مسألة الضرائب مهما كانت الظروف، أو الأسباب –خاصة وأن تلك الأموال كانت تصرف على نفقات الجيش، لتمكينه من التوسع والسيطرة على البلاد- فقد أوعزت إلى القيادة العسكرية في تبسة بإرسال حملة تأديبية ضد تلك الفرق، وإرغامها على الدفع.
أسندت المهمة إلى الرائد "بنوفالي Bonvalet"، الذي خلف النقيب "ألجرو" على رأس دائرة تبسة. قاد هجوما ضدهم، وتوغل في أراضيهم، في استعراض للقوة، بمساعدة السرية الأولى لفرقة قناصة إفريقيا الثالثة، التي قدمت من عين البيضاء، بقيادة الرائد "دي برني De Bernis"
زحف هذا الرائد في يوم 23 جويلية 1854 على تازبنت، على رأس رتل عسكري مؤلف من: سرية من فرقة قناصة إفريقيا الثالثة، بقيادة النقيب "بروشار"، و50 جنديا صبايحيا، بقيادة الملازم "كوهندي"، و75 قناصا تحت إمرة رئيس مكتب العرب، الملازم الأول "إيليريا".
ومما جاء في مجلة "روفي دو لريون" عن وقائع تلك المعركة، نقلا عن جريدة الأخبار الفرنسية، الصادرة في أوت 1854: هاجم الرتل في الصباح الباكر 300 خيمة كانت في تازبنت. كانت العقوبة [التي تعرض لها الأهالي] عنيفة وفورية. جمع في حدود الساعة الثامنة صباحا، قطيع الماشية الذي انتزع من العدو، في أعالي العنبة. اجتمع اللمامشا، بعدما كانوا يقاومون فرادى، كل واحد يذود عن خيمته ويحمي قطيعته، واحتلوا كل المرتفعات المحيطة بالرتل. عندئذ بدأت معركة عنيفة، دعّمها ببسالة المناوشون للأهالي، وعناصر من فرقة قناصة إفريقيا الذين يحرسون الخلفية.... خسر العدو 63 رجلا، بينما لم تخسر قواتنا... سوى خمسة جرحى.
ويصف الملازم "كاستيل"، ما دار في تلك المعركة بين الفريقين، والكيفية التي قاوم بها العلاونة، وأولاد رشاش، وفقا لما جاء في: "تاريخ الفرقة الثالثة قناصة إفريقيا" قائلا: "غادر الرائد دي برني تبسة في يوم 22جوان، في الساعة العاشرة مساء، والتقى العدو مع بزوغ الفجر عند هضبة تازبنت، هاجم عن يمينه العلاونة بقوات الصبايحية، و القوم؛ وعن يساره البرارشة بفرقة من السرية الأولى. بينما نصبت الفصيلتان الأخريان، وسرية المشاة، الذين يشكلون الاحتياط فوق تل يشرف على السهل.
كلفت هذه القوات بدعم فرق الهجوم عند الضرورة، ومنع الأهالي من السيطرة على مضيق عين العنبة خلفنا، لأننا كنا سنعبره مجددا للعودة إلى تبسة.
انتهت بعد ساعتين من القتال مقاومة العدو الذي دحر، وفقد العديد من القتلى... جلبنا إلى المعسكر 12 ألف رأس من الماشية، وغنائم أخرى معتبرة".
ويتبين من تلك الروايات أن عدد الثوار اللمامشا الذين تصدوا لهذا الهجوم كان قليلا، بدليل أن المعركة دامت فقط ساعتين من الزمن. ويبدوا أن الثوار لاذوا بأنفسهم وأهليهم إلى مناطق آمنة. وبما أنهم كانوا غير قادرين على الانسحاب بسرعة مع ذلك الكم الهائل من رؤوس الأغنام، اضطروا إلى ترك قسم منها وراءهم كطعم يلهون به عدوهم، ويؤمنون به انسحابهم.
فرغم كل تلك الحملات التي شنت ضد اللمامشا لإخضاعهم، وإجبارهم على دفع الضرائب، إلا أنهم كانوا كلما جاءتهم فرصة إلا وثاروا على عدوهم له الصاع صاعين. وقد اعترف بهذه الحقيقة كبار "جنرالات الجيش الإفريقي".
فقوات الاحتلال لم تكن لتنتصر على الجزائريين لو لم تكن أمورهم شتى، وكانت تستعين عليهم ببعض أبناء المنطقة الذين باعوا ضميرهم ووطنهم للعدو بثمن بخس.
avatar
tebessi

عدد الرسائل : 95
تاريخ التسجيل : 06/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى