أشعلت شموع الترحيب وأضئيت مصابيح التهليل
بقدومك إلى أرض الحب منتداك منتدى بن نجوع
ننتظر بث مدادك العذب عبر أثير المنتدى
ونتمنى لك قضاء أمتع وأجمل وأحلى الأوقات
كما نرجوا لك الفائدة
المنتدى منتداك
والقلم سيفك
فامتطي صهوه الفكر
وجواد الكلمة
لرسم لوحات أبداعك
في منتدى بن نجوع
و ختام القول : حللتم اهلا و نزلتم سهلا ...

سلسلة أبطال البربر ( يوبا الثاني 2 )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

سلسلة أبطال البربر ( يوبا الثاني 2 )

مُساهمة  tebessi في الخميس يوليو 10, 2008 8:45 pm

3- الإنجازات الفكرية والثقافية والفنية:

يعتبر يوبا أو جوبا الثاني من كبار العلماء والمثقفين الأمازيغ إذ كان يمتاز بسعة العلم والاطلاع، وكان كثير السفر والبحث والتجوال وموسوعي المعارف والفنون. وقد ألف كثيرا من الكتب والبحوث والمصنفات في التاريخ والجغرافيا والرحلة والطبيعيات والفنون والآداب والطب والعلوم الاستكشافية ؛ ولكن هذه المؤلفات النادرة والثمينة لم تصل إلينا سليمة، بل ثمة إشارات إليها في كتب المؤرخين مبثوثة هنا وهناك…
كما اهتم يوبا الثاني بالجانب الثقافي والعلمي والفكري ، فأعد خزانة ضخمة جمع فيها أنواعا من الكتب والوثائق العلمية والتاريخية، واستقطب نحو عاصمته كبار العلماء والأطباء من اليونان والرومان، وأمر بجمع النباتات الطبية والأعشاب. وشارك في رحلات علمية استكشافية داخل جبال الأطلس و جزر كناريا الحالية. وجمع رحلاته العلمية وكشوفاته الطبيعية والجغرافية وأحاديثه عن المغرب وخاصة المجتمع الأمازيغي وعاداته ولغته وتقاليده في ثلاثة مجلدات ضخمة سميت”ليبيكا”Libyca . ومن أحسن ما تضمنته ليبيكا قصة “الأسد الحقود” التي مازالت تروى من قبل الجدات في عدة مناطق أمازيغية في المغرب باللغة البربرية كما ورد في كتاب”لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازيغيين” .
و إذا انتقلنا إلى مؤلفات يوبا الثاني فهي كثيرة لا يمكن عدها أو حصرها، ومنها: ” تاريخ بلاد العرب”les Arabica الذي وضعه لتعليم يوليوس قيصر إمبراطور الرومان، وهو كتاب يبحث في تاريخ الجزيرة العربية وجغرافيتها، و”آثار آشور” وقد كتبه بعد أن رأى بلاد الأشوريين واستمتع بحضارتهم وثقافة بلاد الهلال الخصيب، كما كتب عن “آثار الرومان القديمة” ، و” تاريخ المسارح ” الذي تحدث فيه عن الرقص وآلاته الموسيقية ومخترعي هذه الفنون، وكتب ” تاريخ الرسم والرسامين” ، وكتاب “منابع النيل”، بله عن كتاب “النحو” و”النبات”.
وزد على ذلك ، أن ليوبا الثاني مكتبة عامرة بالكتب المتميزة في مختلف الفنون والعلوم والآداب، وكان له” نساخ عديدون، كما كانت له عناية خاصة بجمع التماثيل والصور واستقدام النفائس من مختلف الأقطار، وتوجد منها الآن كمية ثرية بمتحف الجزائر وشرشال”.
وۥيظهر لنا هذا الكم الهائل من الكتب أن يوبا الثاني كان من المثقفين الأمازيغيين الكبار الذين تعتمد عليهم الإمبراطورية الرومانية في التكوين والتأطير والتدريس وجمع المادة المعرفية المتنوعة التي تتمثل في الجغرافيا والحفريات واللغويات والفنون والتاريخ والطبيعيات…
وكانت ليوبا الثاني أيضا مكانة كبيرة في المجتمع الروماني مادام قد حظي بتدريس يوليوس قيصر الروماني وسهر على تثقيفه وتعليمه. وكان يوبا الثاني يتقن لغات عدة كاللغة اليونانية واللغة اللاتينية واللغة البونيقية ولغته الأمازيغية المحلية التي كان يتواصل بها مع فئات شعبه.
ومن أهم ماكان يهتم به يوبا الثاني الفنون الجميلة ولاسيما الموسيقا والرقص والنحت والتمثيل المسرحي متأثرا في ذلك بالفنون الجميلة اليونانية والرومانية. ونحن نستغرب لما ذهب إليه الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب في كتابه:” ورقات عن الحضارة العربية بأفريقية التونسية” الذي أنكر وجود الفنون الجميلة عند الأمازيغيين قديما نظرا لسذاجة الألحان الأمازيغية وقلة الآلات الموسيقية وبساطة الإيقاع وانعدام البحث الموسيقي والتأثر بالأغاني الزنجية الأفريقية السوداء الرتيبة بقوله:” مهما تتبع الباحث رسوم الحضارة، والمجتمع البربري؛ الذي يقطن شمال أفرقية- من قديم الزمان- فإنه لا يجد للفنون الجميلة- ومنها الموسيقا- أدنى أثر يذكر؛ وغاية ما يقال أن الأهالي الأصليين كانوا يتغنون ببعض ألحان ساذجة بسيطة، ربما قلدوا فيها أغاني الزنزج ببعض ألحان ساذجة بسيطة؛ ربما قلدوا فيها أغاني الزنوج المحيطين بهم من ناحية الجنوب- الصحراء الكبرى والسودان- فالقبائل المحافظة على بربريتها الأولى مازالت تصوت بألحان أقرب ما تكون إلى إيقاع السودانيين…ويمكن الاستدلال على بساطة الموسيقا- لأي شعب كان- بآلات الطرب التي يستعملها لهذا الغرض. فالأمم البربرية ليس لها من الأدوات إلا مزمار؛ وهي( الشبابة) يتخذ في الغالب من القصب؛ ينفخ فيه، أو نوع من الرباب ذي وترين لا غير( گمبري)؛ وهوعين ما يوجد عند الزنوج البدائيين. وهذا من أكبر الشواهد على تأخر التلحين عندهم. وكذلك الشأن في الأصوات نفسها، التي تتغنى بها القبائل البربرية مثل: جبل(زوارة)- كتامة قديما- وبلاد الريف وأهل جبال المغرب من السوس الأدنى والأقصى؛ فإن الإيقاع فيها بسيط جدا؛ ولا يتجاوز بعض مقامات السلم، شبيه ما يشاهد عند السودانيين. وهذه هي الألحان الساذجة التي وجدها العرب عند عشائر البربر لما فتحوا البلاد عليهم؛ وبقي استعمالها شائعا بين السكان الأصليين إلى أن امتد التعريب في البلاد، ورسخ في البلاد اللوبية؛ فتحولت أوضاعهم بالتدريج إلى أوضاع عربية؛ وانتشرت على مر الزمان من الحواضر العربية أو المتعربة أو المتعربة حتى بلغت قرارات البربر”.
ولايمكن لنا إطلاقا أن نقبل بهذا الحكم الساذج المتسرع ؛ لأن أبوليوس كان متفننا في الأغاني ومتحكما في أشكال الموسيقا حسب الأداة وطبيعة الأغراض الشعرية ومتنوعا فيها بتنوع الأعاريض والألحان، وهذا يبين لنا مدى ازدهار الشعر والموسيقا في تامازغا، وفي هذا الصدد يقول أبوليوس أو أفولاي الأمازيغي:” أعترف بأني أوثر من بين الآلات شق القصب البسيط أنظم به القصائد في جميع الأغراض الملائمة لروح الملحمة أو فيض الوجدان لمرح الملهاة أو جلال المأساة وكذلك لا أقصر لا في الهجاء ولا في الأحاجي ولا أعجز عن مختلف الروايات والخطب يثنى عليها البلغاء، والحوارات يتذوقها الفلاسفة. ثم ماذا بعد هذا كله؟ إنني أنشىء في كل شيء ياليونانية أم باللاتينية بنفس الأمل ونفس الحماس ونفس الأسلوب”.
ولاننسى كذلك إقبال يوبا الثاني على الموسيقا بشغف مثير ونهم متميز ، فقد اهتم بها كثيرا، وخصص لها كتبا وافية عرّف فيها بمخترعي الموسيقا وأشار إلى طبيعة حرفتهم والآلات الفنية التي كان يستعملونها ورصد إيقاعاتها وألحانها. وفي نفس الوقت، تحدث بإسهاب عن الفنون المجاورة للموسيقا كالرقص والتمثيل والمسرح والنحت. وكان يوبا الثاني يستدعي العلماء والفنانين والأدباء من روما وأثينا ليمتع الأمازيغيين ويفيدهم في المجال الثقافي والفني.
ومن أهم الكتب الدالة على مانقوله كتابه الرائع:” تاريخ المسارح” الذي جمع فيه دراسات شاملة حول الموسيقا والرقص. ويثمن الكثير من الباحثين الإنجازات القيمة التي حققها الملك المثقف يوبا الثاني في مجال الموسيقا بصفة خاصة والفنون الجميلة بصفة عامة. وفي هذا الصدد يقول الباحث الجزائري بوزياني الدراجي:” والجميع يعلم المجهودات الجبارة التي قام بها يوبا الثاني في نشر الفنون- بشتى أنواعها- في بلاده؛ مثل الموسيقا التي أنشأ- لتدريسها ونشرها- معهدا خاصا بشرشال؛ كما قام هو نفسه بتأليف موسوعة موسيقية ضخمة. أما التمثيل فقد أسس يوبا أيضا معهدا لتدرسيه في شرشال كذلك. هذا بالإضافة إلى معهد النحت الذي أسسه في عاصمته شرشال. ولم يكن يوبا هو الوحيد المهتم بالفنون الجميلة ببلاد المغرب آنئذ؛ فثمة آخرون كانت لهم الاهتمامات نفسها؛ لأن التأثير الإغريقي والفينيقي والروماني لابد أن يولد اهتماما معينا بين السكان؛ وإذا لم يهتم بذلك السكان كلهم فقد يهتم بعضهم…”.
ومن الناحية اللغوية، فقد سهر يوبا الثاني على نشراللغة اليونانية واللغة اللاتينية باعتبارهما لغتي الفكر والثقافة وتملك العلم والآداب والفنون والانفتاح على العالم في ذلك الوقت، دون أن ينسى لغته الأمازيغية التي كانت أداة للتواصل والتعامل وتبادل الأفكار والاتصال والتبليغ في المنزل والشارع والحقول والمصانع والمدارس والمعاهد.
وعلى العموم، فلقد تعجب الكثير من الدارسين القدماء والمحدثين من شخصية يوبا الثاني ومن كفاءته الحاذقة وعبقريته المتميزة، فالباحث المغربي محمد شفيق أثبت بأن يوبا الثاني كان يكتب” باليونانية في التاريخ والجغرافيا والفلسفة والأدب وفقه اللغة المقارن، فتعجب من نبوغه ” فلوتارخوس Plutarkhos ” ومن كونه” بربريا نوميديا ومن أكثر الأدباء ظرفا ورهافة حس”….
ونصب له الأثينيون تمثالا في أحد مراكزهم الثقافية…تقديرا لكفاءته الفكرية. وقد نقل عنه علماء العصر القديم، وحسده معاصروه منهم ونفسوا عليه نبوغه، بصفته بربريا barbarus ، وكأن نفاستهم عليه تسربت إلى نفس المؤرخ الفرنسي Stéphane Gsell ، إذ ما فتئ Gsell يحاول أن يغض من قيمة أعمال يوبا الفكرية، فتبعه في ذلك تلامذته من الأوربيين الذين أرخوا للمغرب الكبير في عهد الاستعمار الفرنسي، كما تبعوه في تحاملهم على أبيه يوبا الأول من أجل حرصه على سيادة مملكته. والدافع عند Gsell ومن تبعوه هو أنهم كانوا يعتبرون الفرنسيين ورثة للرومان في أفريقية الشمالية، ويرون أن “الأهالي ” Les indigènesلا يمكن أن يكونوا إلا “أهالي” في الماضي والحاضر على السواء، بما أشربته الكلمة في لغتهم إذاك من معاني الاحتقار.” .
وعليه، فإن يوبا الثاني شخصية موسوعية بارزة اعتمدت على المقاربة الثقافية في مقاومتها للرومان، واستطاعت أن تقدم الكثير لشعبها على الرغم من الضغوطات الرومانية. كما اعتمد هذا الملك المثقف على سياسة الانفتاح والتسامح والتبادل الثقافي ومعرفة قدراته العسكرية جيدا والاحتراس من المغامرات المتهورة التي قد تقود شعبه إلى الهلاك؛ لذلك كان يهادن الرومان، ويعرف من أين تؤكل الكتف، ويستعمل جميع الوسائل الدبلوماسية لتفادي الحروب والثورات. لذا، استمر في حكمه مدة طويلة تقدر بنصف قرن بسبب رجاحة رأيه وصحة رؤيته وموضوعية بصيرته.
وعلى الرغم من ذلك، فقد كان يعتبر عند الباحثين الأمازيغيين بمثابة خائن للهوية الأمازيغية و” أداة طيعة لتنفيذ أوامر روما وخدمة مصالحها، وذلك بالسهر على قمع الثورات التي قام بها الأمازيغ ضد التواجد الروماني، ففي سنة 6 م حارب قبائل جدالة التي ثارت ضد الرومان وضد الملك نفسه، بسبب اغتصاب أراضيها وحرمانها من المراعي، وبعد ذلك بعشر سنوات ، اندلعت ثورة تاكفاريناس العارمة ضد الرومان، وكانت جيوش يوبا بالطبع إلى جانب الرومان في محاربة بني جلدته الأمازيغ.”.
ويتبين لنا من كل هذا، أن الملك يوبا الثاني لم يكون سوى حليف طائع وخادم وفيّ للرومان على حساب القضية الأمازيغية وخيانة المبادىء الكبرى التي يدافع عنها الإنسان الأمازيغي، ولكنه في نفس الوقت كان مقاوما ثقافيا متميزا يحب شعبه ويسهر من أجل سعادته. ونفسر هذه المفارقة الكبرى بهذا الاستنتاج: إذا كان يوبا الثاني عاجزا عن طرد الاستعمار الروماني الذي هادنه على حساب كرامة الأمازيغيين وحقوقهم المشروعة، إلا أنه استطاع أن يخدم شعبه ثقافيا وعلميا وفنيا وفكريا وإداريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

خاتـــــمـة:

وخلاصة القول: إن مايمكن إثباته في حق يوبا الثاني أنه ملك أمازيغي مثقف خدم شعبه على جميع المستويات والأصعدة، وحقق لموريطانيا القيصرية والطنجية عهدا من الازدهار والرخاء لمدة نصف قرن من الحكم تحت المراقبة الرومانية بشكل مباشر أو غير مباشر.
وإذا كانت المقاومة الأمازيغية في شمال أفريقيا ذات ملامح عسكرية واجتماعية ودينية ، فإن يوبا الثاني استطاع أن ينهج أسلوب المقاومة الثقافية التي أظهرت الأمازيغيين في مستوى لائق ومحترم، وجعلتهم شعبا متحضرا متمدنا يضاهي الشعوب المتجاورة كالشعبين: اليوناني والروماني في مجال الآداب والفنون والعلوم والمعارف الفكرية، بل قد يتفوق عليهما في الشهامة والأنفة وخوض الحروب حبا في الحرية والتضحية من أجل الاستقلال والتخلص من المستعمر الدخيل وعدم الاعتداء على الآخرين.
وعلى الرغم من بعض السلبيات التي كانت تشوه صورة يوبا الثاني وبالخصوص تحالفه الأعمى مع الرومان ضد إخوانه الأمازيغيين، إلا أنه الملك الأمازيغي المثقف الوحيد الذي كانت له شخصية متميزة وغريبة تتسم بالموسوعية والانفتاح والتسامح وكثرة الإنتاج والتراكم الثقافي ، وبالتالي، فقد خدم يوبا الثاني الثقافة الأمازيغية حتى أصبح نموذجا يحتذى به في البحث الجغرافي ومجال الاستكشاف الطبيعي والتنقيب الميداني، وصار علما أمازيغيا بارزا يضرب يه المثل في المدن الرومانية واليونانية وخاصة في أثينا عاصمة الفلسفة والفنون والآداب والعلوم.
avatar
tebessi

عدد الرسائل : 95
تاريخ التسجيل : 06/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى