أشعلت شموع الترحيب وأضئيت مصابيح التهليل
بقدومك إلى أرض الحب منتداك منتدى بن نجوع
ننتظر بث مدادك العذب عبر أثير المنتدى
ونتمنى لك قضاء أمتع وأجمل وأحلى الأوقات
كما نرجوا لك الفائدة
المنتدى منتداك
والقلم سيفك
فامتطي صهوه الفكر
وجواد الكلمة
لرسم لوحات أبداعك
في منتدى بن نجوع
و ختام القول : حللتم اهلا و نزلتم سهلا ...

مقامات النموشي ** المقامة البحرية **

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مقامات النموشي ** المقامة البحرية **

مُساهمة  Admin في الإثنين أغسطس 17, 2009 1:31 am

المقامة البحرية

حدثنا عباس النموشي قال : لمّا تسلمت وثيقة الإجازة و التي نلت بها المفازة و راحتي من عمل الوظيفة ، الخطيرة و المخيفة ، تنفست الصعداء ، و تذكرت صحبي التعساء ، و كيف هم في كدر الشغل و العناء ، قررت الهروب من القهر الى اليم و البحر ، حيث الماء السلسبيل ، و النسيم العليل ، والخير الغليل ، و المناظر الخلابة ، و صاحبات الدراج و الجلابة ، لأني اعتدت على هذا الأمر ، منذ الصغر و لم أعد استطع التخلي عنه و لا الخروج منه ، فانتظرت حتى استلمت المرتب ، و تجدني لمتاعي موضب ، فحملت الحقيبة ، و زدت عليها التعقيبة ، و ودعت أهلي ، و أوصتني أمي ، أن لا تبطأ عنا في الرجوع ، و لا تفارق جمع النجوع ، و لاتنسى الفرض و الركوع ، و دعت لي بالخير ، و كرهت لي الشر و الطير ، فاتجهت إلى المحطة مسرعا ، و لأمي مرة أخرى مودعا ، و استقليت سيارة الأجرة ، و وجهتي اخترت سكيكدة ، ذات السواحل المديدة ، و الحياة السعيدة ، كما وصفها لي أحد الخلان ، لما فيها من أمان و اطمئنان ، و راحة و خير إنسان ، و شاطئ يعرف ببن مهيدي ، يأتيه السياح القريب منهم و البعيد ، و آخر صغير يسمى الشاطئ الكبير ، و ثالثهما يدعى بالبرج الأخضر ، بجانب المرفأ الأكبر ، و قبل أن أركب السيارة ، تشاجرت مع أحد المارة ، و لولا تدخل صاحب الصفـّارة ، لكانت وقعها عليّ كمثل الغارة ، فحمدت الله على نجاتي من الضرب ، و قلت في نفسي يا لبداية الشؤم و الكرب ، اللهم اجعل الأمر خيرا ، و اكفني منه شرا ، و في الطريق كادت أن تنزلق بنا المركبة في مضيق ، حتى خلت الموت أمامي ، و الحُمام قدامي ، فنزلنا و كلنا هلع و وجل ، من قرب دنو الأجل ، و واصلنا المسير ، حتى اعترضتنا منعرجات كلها صعب و خطير ، فتحركت لها معدتي و كاد عقلي أن يطير ، و شرعت أتقيأ و أتألم من هذا الأمر العسير ، و كان الجو حارا ، و المركبة لا تحوي مبردا و كأن فيها نارا ، إن أنت أغلقت الزجاج تصببت عرقا ، و إن أنت فتحته لفحك السيروكو حرقا و من شدة الغيض ، و يوم القيض ، و ساعة الرمض ، بادرت إلى السائق بالسؤال ، إنك و الله لتبغي المحال ، ألا تتقي ربك ، كيف لك أن لا تصلح مبرد المركبة ، و تجنب الركاب العذاب و التهلكة ، لكنه أجابني بردّ قتلني غيضا ، و زدت عليه فيضا ، أن أنزل إن لم يعجبك الأمر ، و سدد الأجرة و لا تغتر ، فبادرته بالسب و الشتم ، و كدت أن أوجه له اللطم على وجهه و اللكم ، حتى تدخل أحد الركاب ، و أصلح الحال بيننا و كلينا عن الغضب أناب ، و كلّي تضرع لله أن إجعل هذه الرحلة خيرا يا الله . فلما وصلنا ، نزلنا ثم حمدنا المولى و شكرنا ، و سرت بعدها أسأل الناس الطريق ، و وجهة البحر والشاطئ فقد نشف مني الريق ، فدلوني على الإتجاه ، و حذروني من شر اللصوص و الأشباه ، و قالوا لي عليك الانتباه ، لكني سرت على بركة الله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، ولكن قبل أن أعوم ، يلزمني فندقا أرتاح فيه و منه أقوم ، فبحثت عن نزل متواضع ، على قدر حالي و قلبي القانع ، و حسب ما أملك من مال و على قدر الحال ، لكني لبثت قرابة الساعتين أبحث ، كمن هو للصوف ينفث ، فهذا سعره غال ، و الآخر قدره عال ، و ذاك تغزوه الحشرات ، من بق و بعوض وصراصير مقرفات ، و ذاك به المومسات الكاسيات العاريات ، اللواتي يترصدنك و يحاولن الإيقاع بك ، فهربت منهن بجلدي ، لمخافتي من ربي ، حتى وجدت فندقا ، في شارع ضيق ، به شابان مفتولان ، عليهما أثر الحشيش وشر العقبان ، فأفشيت السلام ، و تقدم أحدهما مني و قال لي طاب المقام ، فساومته في ثمن الغرفة فقال هي جيدة و بها شرفة ، فقبلت و للثمن سددت ، ثمانمائة دينار ، ليس عليها غبار ، و ملأت الاستمارة و أمضيت بطاقة الغفارة ، و كلّي تعب و للراحة و القيلولة أطلب ، ثم صعدت المدرج ، و تبعني أحدهما يدرج ، و عندما همّ بفتح الغرفة ، وجدها مقفلة صرفة ، فاستعمل معها القوة ، ففتحت و صارت بالباب هوة ، و أعطاني المفتاح و قال لي ارتاح ، فلما دخلت ، نزعت ثيابي و قعدت ، و أردت أن أتوضأ و أغسل أطرافي ، و أنعش جسمي من حر المصافي ، إلا أنني لم أجد ماءا في الصنبور ، بل أثر الذباب و الصرصور ، فاستعذت بالله الغفور ، و قلت لا علينا ، يا بارئا لا تعجل علينا ، و ناديت بأعلى صوتي أن أحضروا لي الماء ، واكفوني شر العناء ، فقد لقيت من سفري هذا شر البلاء ، فما هي إلا برهة ، حتى أتاني أحدهما بقارورة ، تحوي لترا من الماء ، لونه أصفر خالي من النقاء ، و لما هممت بالغسل ، لمحت نيسبا من النمل ، فاتبعت طريقه ، فإذا به يلحق فريسته ، و كان صرصورا ضخما ، لم أرى مثله كبرا و حجما ، فضربته برجلي ، و أخرجته من حجرتي ، و قلت لا علينا ، يا الله طول بالنا ، و لا تجعل صبرنا ينفد و قبلنا يحقد ، لكن من فرط تعبي ، جلست على السرير أناجي ربي ، قارئا للمعوذتين و الكتاب بجنبي ، و قلت آن لي إن أستريح ، من نكد اليوم القريح ، و المشهد القبيح ، و لما وضعت رأسي على الوسادة ، جاءتني فكرة و زيادة ، بأن أعالج السرير و الغطاء و الحصير ، علني أجد فيه الشر المستطير ، و الوحش الخطير ، ألا و هو حشرة البق الضارة ، ذات اللسعات الحارة ، و قد كانت لي معها قصة ، في أحد فنادق مدينة سطيف ، في وقت المصيف ، يوم زرت صديقا لي في الدرك ، و كدت أن أقع في الشرك ، بسبب أمر لا يسعنا الحديث فيه الآن ، و لا الخوض فيه في هذا المقام و المكان ، فلما رفعت الغطاء ، رأيت عشرات منها و زهاء ، تدب بسرعة و تبحث عن الدم لتلعق منه جرعة ، عندها تملكني غضب شديد ، وخرجت مسرعا أهدد بالوعيد ، حاملا حقيبتي ناسيا فريضتي ، و لبست خفي عن عجل ، مدمدما بكلمات كصوت العجل ، و نزلت مسرعا إلى قاعة الاستقبال ، و قد راح عني طول البال ، فوجدت أحدهما واقفا بالباب ، يستفسر عن صوت الصياح و السباب ، فقلت له : أ خان هذا أم بيت خصيان ؟ ، يا رجل إتقي الله في الناس ، فهذا نزل راحة و نعاس ، و أنت أحلته كمثل بيت النسناس ، أعد لي مالي ، و اتركني أمضي لحالي ، فبدأ يصيح في وجهي ، يريد ضربي ، و آزره زميله و همّ هو أيضا بركلي ، فراودتني حيلة ، بأن أستدرجه إلى زقاق المدينة ، حتى و إن صرعته ، لن يحاسبني القانون كمن ضرب أحدا في محله ، و تكون عقوبتي خفيفة ، و غرامتي طفيفة ، فصرت أمشي الى خارج المحل ، حتى خرجت إلى الزقاق تحت الظل ، عندها تغيرت نبرتي ، و زادت حدتي و قوة شكيمتي ، فقلت له : إما أن ترجع لي المال ، أو أشتكيك إلى رجال الشرطة و الأحوال ، أو أكتب عنك تقريرا إلى مديرية السياحة ، أوضح فيه حالة نزلك و سوء الضيافة ، فوجدني ضالعا في أمور القانون ، و كل كلمة لي فيها باع و فنون ، فما كان عليه إلا أن استكان للأمر الواقع ، و أرجع لي المال من دون وازع ، فغادرت المكان و في مخي غليان ، قاصدا فندقا آخرا ، سواء كان مخفيا أو ظاهرا ، حتى اهتديت إلى مكان على مقربة من البحر ، فيه من الروعة و السحر ، ما يذهب البصر ، فقابلني مبنى رائع ، في شكله و لونه الأبيض الساطع ، فدخلت و على الحارس سلمت ، فوجدته من طراز النجوم ، فيه الدفع بالمعلوم ، و سألت عن السعر ، فوجدته يقصم الظهر ، و يقصف الشعر ، لكني رضيت و سلمت للأمر و قبلت ، فما وجدت فيه إلا غرفة من سريرين ، كان قد بات فيها عروسين ، فوضعت حقيبتي و على السرير رميت جثتي ، فنمت و في وقت المغرب نهضت ، و قد علق بي مسحوق للزينة من أثر العروس ، لونه ذهبي ملموس ، فغسلته بالماء ، لكنه لم يمحى من كل الأنحاء ، و قلت لا علينا ، اللهم اجعله خيرا علينا ، و خرجت إلى المدينة أتنزه في الممرات، و صليت ما فاتني من أوقات ، و تناولت العشاء في أحد المطاعم ، وسهرت ليلي في مكان عام ، و لما جاء الصباح ، هممت بالخروج إلى البحر حيث النسيم و الرياح ، و ركبت حافلة صغيرة ، قاصدا الشاطئ قبل حلول الظهيرة ، فلما وصلت و بقرب حاجز للدرك نزلت ، و أنا أسير حتى ناداني أحدهم و بيده إلي يشير ، فذهبت إليه و وقفت بين يديه ، فباردني بالسؤال عن وجهتي و عن ولايتي ، و طلب بطاقة هويتي ، و كنت حينها أضع ذقنا ، خفيف الحركة و جنا ، و قد ساد البلاد وقتها خطر الإرهاب ، و شهدت له الورى الويلات و الصعاب ، فتحسست جيبي ، و دق لهذا قلبي ، فقد نسيت كل وثائقي بالفندق ، و هو لي غير مصدق ، و زاد شكه في أمري ، وراح يجري ، و أحضره معه الضابط و الكلب و ركناني إلى الحائط ، وفتشي العون ، و بهدلني الكب بالعواء و الهون ، و الناس تضحك علي و تهوّن ، و حينما لم يجدا عندي شيء يذكر ، من سلاح أو أمر مخطر ، قاما بإدخالي إلى صندوق الموقوفين ، ولبثت فيه أكثر من ساعتين ، و عندها قلت : يا سيدي ، إرأف بحالتي ، فما أنا و الله إلا رجل مسالم و قد نسيت بطاقتي ، و اسأل إن أردت صاحب النزل ، عن الحال فإني والله كلي أمل ، في براءتي من تهمة عدم حمل وثائق مهمة ، و بعد أخذ و رد ، و هزل و جد ، إتصل بالشرطة و بمكان إقامتي ، و وجدني صادقا في مقالتي ، عندها أطلق سراحي ، و رجعت مشئوما و عن رؤية البحر مهموما ، بعدما رأيته أزرقا بهيا رقراقا ، لأني حلفت و باليمن طلقت ، أن لا يكون لي مقام في بلد فيه بهدلت ، قاصدا أدراجي ، و حملت أغراضي ، بعد أن صرفت ثلث مالي ، قافلا إلى مدينة عنابة ، و التي لي فيها أهل و قرابة ، حيث إعتدت قضاء إجازتي فيها ، و كذا لمعرفتي الواسعة بأهلها ، و بأزقتها و فنادقها ولسان حالي يقول :
يا لوعتي على عطلتي ****** و يــا كربتــي و محتني
مــا ذنبي أنــا يــا ربي ****** حتى أخزى في إجازتي
هل المشقـة هي قدري ****** لمــا لاقيت فــي رحلتي
أم أنــه لقلـــة حيلتــي ****** أو لدعـــوة وا مصيبـتي
ما كــانت و الله نيتــي ****** غير سكينتــي و راحتي
لكـــن حمـدا لله بارئي ****** أن كــانت هـــذه نهايتي
و لما نويت الرجوع ، إلى بلدتي و الربوع ، نذرت أن أقدم معروفا ، لمسكين أو أن أعطيه مصروفا ، دفعا لبلاء كاد أن يلحقني بمصف السجناء ، أو أن أرسل إلى معتقلات الصحراء ، حيث الرمال و الحلفاء ، و الحيات و العقارب و شر الإجتباء .

Admin
Admin

عدد الرسائل : 255
العمر : 41
تاريخ التسجيل : 15/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://bendjoua.montadalhilal.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى