أشعلت شموع الترحيب وأضئيت مصابيح التهليل
بقدومك إلى أرض الحب منتداك منتدى بن نجوع
ننتظر بث مدادك العذب عبر أثير المنتدى
ونتمنى لك قضاء أمتع وأجمل وأحلى الأوقات
كما نرجوا لك الفائدة
المنتدى منتداك
والقلم سيفك
فامتطي صهوه الفكر
وجواد الكلمة
لرسم لوحات أبداعك
في منتدى بن نجوع
و ختام القول : حللتم اهلا و نزلتم سهلا ...

سلسلة أبطال البربر ( الكاهنة )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

سلسلة أبطال البربر ( الكاهنة )

مُساهمة  tebessi في السبت يوليو 19, 2008 9:29 pm

كلما أردنا الحديث عن أبطال المقاومة الأمازيغية الذين حاربوا الرومان والوندال والبيزنطيين وواجهوا الولاة والقواد المسلمين الفاتحين بشمال أفريقيا وربوع تامازغا ، فإننا لانذكر من هؤلاء في التاريخ القديم والوسيط سوى مجموعة من الرجال الأقوياء الذين خلدوا أنفسهم في صفحات التاريخ الأمازيغي بجليل أعمالهم ومفاخر بطولاتهم ومحاسن إنجازاتهم في الدفاع عن بلادهم والتشبث بكينونتهم والتمسك بهويتهم المحلية والحفاظ على شرفهم والتضحية بالنفس والنفيس من أجل تحقيق حريتهم ووجودهم باعتبارهم بشرا كباقي الشعوب الأخرى التي لها الحق في استخلاف هذه الأرض المباركة وتعميرها بالإصلاح والحسنى كباقي الأقوام الأخرى، ونلفي من هؤلاء الر جال : صيفاقس ويوغرطة وماسينيسا وتاكفاريناس وفيرموس ويوبا الأول ويوبا الثاني وأنطالاس وقرقزان ويوداس وييرنا وأكسل وبطليموس وأيديمون وأغسطينوس وگزمول وسالابوس...
وقد لاحظنا من خلال تصفحنا المتواضع للمصادر التاريخية القديمة والوسيطة والحديثة والمعاصرة سواء أكانت أجنبية أم عربية أم بربرية ، أنها تغض الطرف إلى حد ما عن استحضار العنصر النسوي في مجال المقاومة الأمازيغية. وبالتالي، لاتذكر من النساء المقاومات سوى ديهيا أو الكاهنة الأوراسية التي قاومت الفاتحين العرب المسلمين مقاومة شديدة قل نظيرها دفاعا عن أرضها وشعبها ، لكنها أساءت إلى فعلها البطولي النبيل وتسامحها الإنساني العظيم مع أسرى حسان بن النعمان، حينما أقدمت لوجيستيكيا على تنفيذ سياسة الأرض المحروقة لطرد العرب خارج أفريقية ، إلا أن هذه السياسة الشنعاء لم تثمر إلا الويل والثبور وجرت عليها الموت والهلاك.

1- من هي الكاهنة أو ديهـــيا؟

تعرف الكاهنة في المصادر التاريخية الأجنبية و العربية والبربرية القديمة والحديثة بأنها امرأة أمازيغية جميلة وشجاعة وقوية البنية. وهي كذلك بنت ينفاق الزناتية من بني جروة من القبائل البربرية البترية الكبيرة التي ستنتقل من الحياة الوبرية الرعوية إلى الحياة المدرية القائمة على الاستقرار والتمدين وبناء الممالك .
وكانت الكاهنة تقطن جبال باغية قرب مسكيانة بسفوح جبال الأوراس الشامخة بالجزائر، وتعرف باسم دميا أو دهيا، والصواب دهي بمعنى المرأة الجميلة في القاموس اللغوي الأمازيغي، ولقبت بالكاهنة لكونها دوخت بدهاء خارق الفاتح العربي المسلم حسان بن النعمان الوالي الجديد على أفريقيا الشمالية حوالي 72هـ الموافق لسنة 692م ، وواجهته بقسوة وشراسة قل نظيرها ، وتفوقت في هذه المقاومة العنيدة حتى على الملك الأمازيغي السابق أكسل أو كسيلا.
ومن ثم، فالكاهنة ملكة أمازيغية أوراسية واجهت المسلمين الفاتحين مواجهة الأبطال المدافعين عن الهوية الأمازيغية والمتشبثين بالأرض والكينونة البربرية معتقدة في ذلك أن المسلمين مثل: الرومان والوندال والبيزنطيين لايهمهم سوى احتلال أراضي الغير واستغلال ثرواته واستنزاف ممتلكاته وإخضاعه إذلالا واستعبادا. لذا ، كانت لمقاومتها العنيفة في نوميديا ( الجزائر) آثار وخيمة على التواجد العربي الإسلامي في شمال أفريقية. وقد حكمت الكاهنة مملكتها الأوراسية خمس سنوات متتالية، وقد بايعها الأمازيغيون بالإجماع مباشرة بعد مقتل أكسل( كسيلة) الذي قتله القائد العربي حسان بن النعمان في معركة ممش قرب مدينة القيروان بتونس ثأرا لمقتل عقبة بن نافع على يد كسيلا قرب نهر الزاب بالجزائر .
وكانت للكاهنة مكانة كبيرة بين أهلها يحترمونها تعظيما وتبجيلا إلى درجة التمجيد والتقديس ، وفي هذا يقول الثعالبي:" إنها امرأة نادرة رفعها سكان المنطقة إلى منازل الآلهة البشرية التي عبدها الناس". أما عبد الرحمن بن عبد الحكم في كتابه" فتوح إفريقية والأندلس"، والبلاذري في كتابه" فتوح البلدان" فقد نعتاها " بملكة البربر" . بينما يورد المالكي في كتابه" رياض النفوس" بأن جميع الأمازيغيين كانوا يخافون من ديهيا ويطيعونها بسبب جرأتها وشجاعتها المنقطعة النظير، والدليل على ذلك ما أثبته صاحب هذا الكتاب قائلا:" وقد سأل حسان جماعة من مسلمي البربر عنها فذكروا له أن جميع من بإفريقية منها خائفون وجميع البربر لها مطيعون، فإن قتلتها دان لك المغرب كله ولم يبق لك مضاد ولا معاند".
ويعني هذا أن الكاهنة في حكمها امرأة مستبدة ومتجبرة ومطلقة ، تحكم البلاد بيد من حديد. ومن هنا، نفهم بأن الكاهنة كانت قائدة محنكة تحسن التخطيط الحربي، وتستعد جيدا للمعارك التي تخوضها ضد الفاتحين العرب المسلمين عددا وعدة، وتتصف بالذكاء والشجاعة والصلابة والقوة والمهابة والحنكة والدهاء والمراوغة وادعاء الغيب وممارسة السحر والكهانة مع حسن القيادة والإشراف . وكانت أيضا باعتراف المصادر العربية نفسها امرأة إنسانية تحترم أصول الحرب وقواعد القتال وتقدر مبادئ النزال العسكري تقديرا أخلاقيا محكما.
و قد كان للكاهنة فيما يرويه الإخباريون العرب " بنون ثلاثة ورثوا رئاسة قومهم عن سلفهم، وربوا في حجرها،فاستبدت عليهم واعتزت على قومها بهم، ولما كان لها من الكهانة، فانتهت إليها رئاستهم ووقفوا عند إشارتها".
وقد توفيت ديهيا في معركة حامية الوطيس أثناء مجابهتها لجيش حسان بن النعمان في موقع بالجزائر سمي فيما بعد ببئر الكاهنة حوالي79هـ أو 80هـ.


2 - تطـور مقاومة الكاهنــــة:

إذا كان الفتح العربي الإسلامي في الشرق قد تم بسرعة ملحوظة ، حيث أخضع المسلمون في عهد عمر بن الخطاب (ض) مجموعة من البلدان كالشام ومصر والعراق وفارس ، فقد ظلت أفريقيا الشمالية منطقة عسيرة وأرضا خطيرة بسبب وعورة التضاريس الأفريقية، وشدة مقاومة الأمازيغيين لكل من حاول الاعتداء على حريتهم وممتلكاتهم، وصلابة عود البرابرة، وكثرة شجاعتهم ، وقوة شكيمتهم، وتعسف الولاة في التعامل مع الأفارقة الذين لايقبلون الضيم ولا يرضون بالذل؛ نظرا لاعتزازهم الكبير بأنفسهم أنفة وكرامة واستعلاء . لذا، بقيت أفريقيا الشمالية وعرة التطويع وصعبة الإخضاع لمدة تتراوح بين 22هـ و82هــ، أي فترة زمنية تقدر بــ60 سنة من تاريخ المد والجزر من أجل نشر الإسلام بين ساكنة تامازغا التي أظهرت العناد وعدم الانقياد بسهولة لسلطة الخلافة الأموية . ومن ثم، كان إسلامهم يتأرجح بين الاعتناق الطوعي و الردة المؤقتة .
ويمكن تقسيم تطور مقاومة الكاهنة في شمال أفريقيا في مجابهتها للقائد العربي المسلم حسان بن النعمان إلى مرحلتين أساسيتين: مرحلة الانتصار ومرحلة الهزيمة.

أ‌- مرحلة انتصار الكاهنة على حسان بن النعمان:

بعد انتصار حسان بن النعمان على كسيلة، اتجه هذا القائد العربي نحو ممالك الجزائر والمغرب لنشر الإسلام بين ساكنتها، لكنه واجه مقاومة شرسة من قبل الكاهنة التي وحدت القبائل الأمازيغية، فكونت جيشا عرمرما استطاعت أن تؤثر فيه بهيبتها وجمالها وقوة شكيمتها وحدة فراستها.
وقد سبقت الكاهنة إلى إعلان الحرب على حسان ، وقصدت مدينة باغية، فأخرجت منها الروم، ثم هدمت حصونها لكي لايحتمي بها حسان بن النعمان الذي تحرك بدوره في اتجاهها ، فنزل بوادي مسكيانة، ثم التقى الجيشان مع انبلاج شمس الصباح قرب نهر بلىّ التقاء داميا تطاحنت فيه الرؤوس والخيول والسيوف، وانتهت المعركة بانهزام حسان ، وأسفرت المعركة عن مقتل الكثير من العرب ، فأسرت الكاهنة حسب المصادر حوالي ثمانين رجلا، وسميت هذه الموقعة بيوم البلاء ، وسمي النهر الذي التقى فيه الجيشان بنهر البلاء. و بعد المعركة، عاد حسان بن النعمان إلى تونس . وإثر ذلك، انتقل بجيشه إلى برقة، واستخلف على إفريقيا أبا صالح.
وكان" انهزام حسان أمام الكاهنة أشنع ما مني به العرب في بلاد المغرب، وهذا بإجماع المصادر العربية، وأول انكسار عرفه لهم التاريخ آنذاك. وعندما وصل حسان لمأمنه كتب إلى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بالواقعة يستنجده لإعادة الكرة ويعتذر عن انكساره. ومن ضمن مابرر به هذا الاندحار مايلي:" إن أمم المغرب ليس لها غاية، ولايقف أحد منها على نهاية، كلما بادت أمة خلفتها أمم".
ومن مظاهر إنسانية الكاهنة أنها عندما تتبعت جيش حسان بن النعمان إلى تخوم تونس لم تخرب القيروان، ولم تقتل المسلمين المتواجدين بها أو تقوم بالتنكيل بهم ثأرا وانتقاما ، بل عادت برجالها إلى مقر عاصمتها بالأوراس، مما يعني هذا أن ثورتها كانت محلية وتستهدف من ورائها طرد العرب من بلادها إلى خارج أفريقية . كما أفرجت عن جميع أسرى حسان بن النعمان " فأحسنت الكاهنة أسر من أسرته من أصحابه وأرسلتهم إلا رجلا منهم من بني عبس يقال له خالد بن يزيد فتبنته وأقام معها".
ولم يكن هذا التبني إلا لأسباب ترومها الكاهنة ، ربما أنها كانت تسعى من وراء ذلك إلى اتقاء المحاولات الانتقامية من قبل حسان بن النعمان وتجنب ردود فعل المسلمين أو ربما تريد من ذلك الفعل أن تستكنه نوايا الفاتحين المسلمين وتعرف خطط قوادهم وكيف يفكرون، وربما قربته إليه ليفشي لها أسرار كل الخطط الهجومية التي يمكن أن يلتجئ إليها حسان بن النعمان في المستقبل أو ربما قررت أن تستعين به ليوم الحرب الضروس الآتية و يوم اللقاء الأخير لتستأمنه على أولادها مما يمكن أن تصدر عن حسان من ردود فعل انتقامية .
ويقول ابن عذارى صاحب البيان:" وحبست عندها خالد بن اليزيد فقالت له يوما: مارأيت في الرجال أجمل منك ولا أشجع، وأنا أريد أن أرضعك فتكون أخا لولدي، وكان لها ابنان أحدهما: بربري، والآخر يوناني. وقالت له:" نحن جماعة البربر لنا رضاع ، إذا فعلناه نتوارث به"، فعمدت إلى دقيق الشعير فلتته بزيت وجعلته على ثديها ودعت ولديها وقالت " كلا معه على ثديي" ففعلا فقالت:" قد صرتم إخوة".
أما رواية ابن عبد الحكيم فكانت أكثر وضوحا لمبتغى الكاهنة من هذا التبني حيث قال:" فقالت: يابني انظروا ماذا ترون في السماء. قالوا : نرى شيئا من سحاب أحمر. قالت: لا وإلهي ، ولكنها رهج خيل العرب. ثم قالت لخالد ين يزيد:إني تبنيتك لمثل هذا اليوم".
ويفسر الدكتور محمد الغرايب السلوك الطقوسي الذي أقدمت عليه الكاهنة على مستوى الرضاع بأنه" يعبر من جهة عن دخول خالد بن يزيد، من الناحية الثقافية،حرزا حريزا لايمكن لأي كان أن يعتبره أجنبيا أو يتعامل معه بشكل دوني، بل إن هذا النوع من الطقوس يجعل صاحبه في مستوى أهل الدار حقا وواجبا؛ لأن هذا الرضاع كما جاء على لسان الكاهنة" إذا فعلناه نتوارث به"، ومعنى ذلك أن خالد بن يزيد في حالة موت الكاهنة وابنيها يصبح ملكا على الأمازيغ".
و قد قلنا سابقا : إن الكاهنة قد تخلت عن جميع الأسرى باستثناء خالد بن يزيد الذي تبنته رضاعة ووراثة، ويبدو" أن الإحسان إلى الأسرى - كما يقول الدكتور علي محمد محمد الصلابي- كان من تقاليد البربر العريقة، حيث إنهم دأبوا على الإحسان إلى الأسرى في معاركهم السابقة، فكيف لاتحسن إليهم الكاهنة بعد معركة نينى(يقصد نهر بلى)؟ وقد يكون لتقرب خالد بن يزيد منها أثر كبير على إحسانها هذا، فمن المحتمل جدا أن خالدا بذل جهوده بعد أن أصبح أسيرا عند الكاهنة لإنقاذ إخوانه الأسرى، فكان له ما أراد.".
وتذهب المصادر التاريخية إلى أن معاملة الكاهنة مع خالد بن يزيد كانت إيجابية وسمحة إلى درجة كبيرة، وإذا بحثنا بكل موضوعية في خلفيات هذا التبني ونتائجه القريبة والبعيدة، فإننا سنجد أن من أسباب انهزام الكاهنة في المرحلة الثانية هو تساهل الكاهنة مع خالد الذي كان تعزه كثيرا أكثر من ولديها الآخرين، ومن ثم، كانت تغض الطرف عن تصرفات خالد المشبوهة، والتي تتمثل في تقديم معلومات لوجيستيكية وعسكرية مهمة لحسان بن النعمان عبر الضيوف الوافدين عليه.
وعليه، " فلم تسجل المصادر على الكاهنة أنها أكرهت خالد بن يزيد على اعتناق دينها، بل يبدو أنها تركته وشأنه، كما فعلت مع غيره، وظل يزيد بين ظهرانيها وهو يراقب كل التطورات التي كانت تجري داخل معسكر الكاهنة، وهي عموما تطورات سلبية تمخضت عن السنوات الخمس التي حكمتها الكاهنة بأفريقية؛ ونحن نعلم أن سخط الروم عليها ازداد مع تخريبها المزارع وهدم الحصون ومالقيه اليهود، على يديها جعل خالد بن يزيد يقول لحسان:" إن البربر متفرقون لا رأي لهم ولا نظام عندهم...فاطو المراحل وجد في السير".
ربما كانت الكاهنة تعلم أن أسرار دولتها تصل حسان عن طريق من يستقبلهم خالد من الوافدين الأغراب لكن عدم مساءلتها له ولضيوفه، الذين كانوا يقضون وقتا ماعنده، والاقتصاص منهم، لايمكن فهمها إلا في إطار احترامها لعقد أمومتها له ورباط أخوة ابنيها له، وإلا فإن هذه المرأة التي لايخفى عليها شيء، كانت ستسمه من العذاب مالا قبل له به، ولنا في مالاقاه اليهود على يدها خير دليل.".
avatar
tebessi

عدد الرسائل : 95
تاريخ التسجيل : 06/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى