أشعلت شموع الترحيب وأضئيت مصابيح التهليل
بقدومك إلى أرض الحب منتداك منتدى بن نجوع
ننتظر بث مدادك العذب عبر أثير المنتدى
ونتمنى لك قضاء أمتع وأجمل وأحلى الأوقات
كما نرجوا لك الفائدة
المنتدى منتداك
والقلم سيفك
فامتطي صهوه الفكر
وجواد الكلمة
لرسم لوحات أبداعك
في منتدى بن نجوع
و ختام القول : حللتم اهلا و نزلتم سهلا ...

سلسلة أبطال البربر ( طارق بن زياد 2 )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

سلسلة أبطال البربر ( طارق بن زياد 2 )

مُساهمة  tebessi في السبت يوليو 19, 2008 9:35 pm

4- خطبة طارق بن زياد بين الشك والإثبات:

أثارت خطبة طارق بن زياد الرائعة في البلاغة والفصاحة ردود كثير من الباحثين والدارسين بين مدافع عن نسبة الخطبة إلى صاحبها لكونه مؤهلا لذلك وقادرا على الإتيان بها مادام قد تربى في بيوت العرب والإسلام في المشرق قبل أن ينتقل إلى المغرب، كما أنه كان متأثرا كثيرا بالإسلام والبيان العربي على غرار الكثير من البربر الذين اندمجوا مع العرب في بوتقة حضارية عربية إسلامية واحدة، ورافض للخطبة بسبب بربرية صاحبها واستحالة أن يأتي طارق بهذه الخطبة التي يعجز عن الإتيان بها حتى العرب الفصحاء وفطاحل البلاغة والبيان، بله عن كونه حديث الإسلام وتعلم اللغة العربية مع بداية الفتوحات الإسلامية.
هذا، ويعد شكيب أرسلان أول من أشاد بخطبة طارق بن زياد وبخطبته البيانية البليغة التي يصعب على البلغاء العرب أن يجاروه في فصاحتها وروعة أسلوبها وصورها الفنية المؤثرة، بيد أنه أول من شكك في هذه الخطبة اعتمادا على بربرية طارق وانتمائه إلى السلالة الأمازيغية، يقول شكيب أرسلان في هذا الصدد:"
ونبغ فيهم ( أي البربر) العلماء والخطباء بالعربية الفصحى ، وحسبك شاهدا طارق بن زياد الذي خطب قبل الموقعة التي هزم فيها لذريق ملك الأندلس، تلك الخطبة الطنانة التي لو حاول مثلها قس بن ساعدة، أو سحبان وائل، لم يأت بأفصح ولا بأبلغ منها، ولقد كنت أفكر مليا في أمر هذه الخطبة وأقول في نفسي...هنا لغز من ألغاز التاريخ لا ينحل معناه بالسهولة فقد اتفقت الروايات على كون طارق بن زياد بربريا قحا، وكذلك اتفقت الروايات أيضا على كونه هو لاغير صاحب الخطبة الرنانة المعدودة من أنموذجات الخطب العربية فكيف يمكن التلفيق بين هذين الأمرين المتناقضين، وأنى لطارق البربري مثل هذه العربية، وكنت أفكر في أن طارقا قد يكون أحسن تعلم العربية كما أحسن ذلك كثير من أبناء جيله، وكما تعلمت العربية رجال فارس حتى بزوا في العربية أقرانهم من أنفس العرب، ولكني لم أكن مستريح البال من جهة إتقان طارق للعربي الفصيح وبلوغه فيه هذه الدرجة العليا، وكان يحز في صدري أن تلك الخطبة كانت بلاغيتها في المعنى، وإنما وضعها رواة العرب في هذا القالب الفصيح الذي سحر الألباب، ومازلت مترددا في هذا حتى جاءني ثلج اليقين على يد الأستاذ عبد الله كنون الذي جزم بأن هذه الخطبة النادرة إنما كانت من جملة ثمرات انطباع البربر بالطابع العربي البحت.".
ويشك عبد الله عنان صاحب كتابه" دولة الإسلام في الأندلس" في خطبة طارق بن زياد ؛ لأنها لم ترد في المصادر التاريخية الوسيطة:" إنه يسوغ لنا أن نرتاب في نسبة هذه الخطبة إلى طارق، فإن معظم المؤرخين ولاسيما المتقدمين منهم لايشير إليها، ولم يذكرها ابن عبد الحكم ولا البلاذري، وهما أقدم رواة الفتوحات الإسلامية، ولم تشر إليها المصادر الأندلسية الأولى، ولم يشر إليها ابن الأثير وابن خلدون، ونقلها المقري عن مؤرخ لم يذكر اسمه، وهي على العموم أكثر ظهورا في كتب المؤرخين والأدباء المتأخرين. وليس بعيدا أن يكون طارق قد خطب جنده قبل الموقعة، فنحن نعرف أن كثيرا من قادة الغزوات الإسلامية الأولى كانوا يخطبون جندهم في الميدان، ولكن في لغة هذه الخطبة وروعة أسلوبها وعبارتها ما يحمل على الشك في نسبتها إلى طارق، وهو بربري لم يكن عريقا في الإسلام والعروبة، والظاهر أنها من إنشاء بعض المتأخرين، صاغها على لسان طارق مع مراعاة ظروف المكان والزمان".
ومن الذين يشكون في هذه الخطبة الدكتور أحمد هيكل، وتتمثل حيثيات شكه في الأسباب التالية:
" 1- إن طارق بن زياد كان بربريا مولى لموسى بن نصير ومن شأنه أن يكون حديث عهد بالعربية وألا يستطيع الخطابة والشعر بلغة هو حديث عهد بها.
2- إن المصادر الأولى التي سجلت حوادث الفتح قد خلت تماما من أي حديث عن هذا الأدب مع أنها تناولت تفاصيل يدخل بعضها في باب الأساطير. وقد استوت في ذلك الصمت عن هذا الأدب المصادر الأندلسية والمغربية والمشرقية جميعا، ولم يرد هذا الأدب المنسوب إلى طارق إلا في بعض المصادر المتأخرة كثيرا عن فترة الفتح مثل نفح الطيب...
3- الأسلوب الذي جاءت به لم يكن معروفا في النثر العربي خلال الفترة التي تعزى إليها تلك الخطبة فالسجع الكثير والمحسنات المتكلفة قد شاءت في عصر متأخر كثيرا عن القرن الأول.
4- قوله لجنده وكانوا كلما نعرف من البربر: ( وقد اختاركم أمير المؤمنين من الأبطال عربانا). فطارق كان يعرف أن جنوده من البربر وجنوده كانوا يعرفون أنهم ليسوا عربانا. ومن هنا يبعد أن يكون قد خطبهم بهذا الكلام الذي لايقوله إلا غير عالم بحقيقة جيش طارق".
ومن الذين يثبتون نسبة الخطبة لطارق بن زياد عبد الله كنون أثناء رده على دعوى شكيب أرسلان اعتمادا على أسباب ثلاثة: نشأته في بيت العروبة والإسلام في الشرق قبل انتقاله مع أبيه إلى المغرب، ثم إسلام الكثير من صحابة رسول الله صلعم من الروم والفرس والعجم وكانوا من كبار العلماء والفصحاء والبلغاء، كما أن خطبة طارق بليغة من حيث المعاني لامن حيث الصور والفنيات الجمالية، والمعاني كما قال الجاحظ مطروحة في الأسواق وإنما الاعتداد بالبيان وروعة المجاز والتخييل البلاغي وهذا ما لم يجده كنون في خطبة طارق، وأن هذه الخطبة يمكن لأي متفقه في العربية أن يأتي بها :" يستشكل بعض الباحثين صدور خطبة طارق بن زياد منه وهو بربري قح، يستبعد أن تكون له هذه العارضة القوية في اللغة العربية، حتى يأتي بتلك الخطبة البليغة. وهو استشكال في غير محله،
أولا) لأن طارق بن زياد إن كان أصله بربريا فقد نشأ في حجر العروبة والإسلام بالمشرق، ولم يكن هو الذي أسلم أولا بل والده، بدليل اسمه زياد فإنه ليس من أسماء البربر، ولاشك أنه كان من مسلمي الفتح المغربي الأول، وأنه انتقل إلى المشرق حيث تولاه موسى بن نصير ونشأ ولده في هذا الوسط العربي الذي كونه وثقفه.
ثانيا) لأن نبوغ غير العرب في اللغة العربية منذ اعتناقهم الإسلام أمر غير بدع حتى يستغرب من طارق، وهو قد نشأ في بيت إسلامي عربي. فعندنا سلمان الفارسي الذي قضى شطر حياته في بلاد عجمية فلما أسلم بعد ذلك تفتق لسانه بالعربية إلى أن قال فيها الشعر، وبيته مضروب به المثل في الاعتزاز بالإسلام واعتباره هو نسبه الذي يفخر به، إذ افتخروا بقيس أو بتميم،لايخفى على أحد.
ونمثل ببربري آخر، غير طارق وهو عكرمة مولى ابن عباس الذي قال فيه الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة؛ ومقامه في العلم والرواية لايجهل،
ثالثا)لأنه ليس في الخطبة من صناعة البيان ما يمنع نسبتها لطارق، وبلاغتها في نظرنا إنما ترتكز أولا وبالذات على معانيها، والمعاني ليست وقفا على عربي ولا عجمي. نعم يمكن أن يكون وقع في هذه الخطبة بعض تصرف من الرواة بزيادة أو نقص، ونحن قد صححنا فيها بالفعل إحدى العبارات التي لم تكن واضحة الدلالة على معناها ولكن هذا لا ينفي أصل الخطبة ولا يصح أن يكون حجة للتشكيك في نصها الكامل."
ومن الذين دافعوا عن هذه الخطبة وقالوا بنسبتها إلى طارق الدكتور عباس الجراري:" وأغلب الظن في كل هذه الأقوال مبالغة لاتنكر. أما بالنسبة لما ذهب إليه الوالد وصاحب النبوغ فنحن نعرف أن البربر بمجرد أن اسلموا، أو بالأحرى أسلمت طائفة منهم، خرجوا للفتح من غير أن تتاح لهم أية فرصة- مهما كانت هذه الفرصة قصيرة- ليتعلموا اللغة العربية لدرجة تمكنهم من الخطابة بهذا الأسلوب الذي وردت به خطبة طارق.
وأما بالنسبة لصاحب" الأدب الأندلسي" وصاحب " دولة الإسلام" قبله فنحن لا نختلف معهما في أن طارق بن زياد لم يتح له من تعلم اللغة ما يسمح له بإلقاء تلك الخطبة، ولكنا نختلف معهما فيما بعد ذلك. فإهمال المصادر القديمة لهذا الأدب- إن كان هناك إهمال حقا- لاينهض دليلا على رفضه، لاسيما ونحن تعرف أن ما وصلنا من هذه المصادر قليل جدا، وأن ماوصلنا فيها من أخبار ونصوص ليس غير جزء ضئيل مما كنا ننتظر أن يصلنا يوم يكشف النقاب عن تراثنا الدفين. ثم إن القول بإهمال المصادر القديمة لهذه الخطبة قول مبالغ فيه، فقد فات كلا من الأستاذين هيكل وعنان أن يطلعا على كتب كثيرة ألفت قبل" نفح الطيب" وردت فيها الخطبة بنصوص متشابهة حينا ومختلفة حينا آخر".
ويضيف عباس الجراري بأن أسلوب طارق بن زياد في خطبته لايختلف عن أسلوب خطباء الدولة الأموية ، أما كلمة عربانا فقد يكون أصابها تحريف ويكون بمعنى عزبانا أو قد يكون بمعنى القواد العرب الذين جعلوا على رأس كل فرقة من الجيش.
ويؤكد عباس الجراري في الأخير إثبات حقيقة هذه الخطبة تاريخيا إلا أنه يرجح أن تكون من إنشاء كاتب عربي سلمت لطارق ليلقيها على الفاتحين المسلمين :" والرأي عندي بعد هذا أن الخطبة ثابتة وإن كان اختلاف النصوص يدعو إلى الشك في هذا الثبوت، ثم إني أرجح أنها ليست من إنشاء طارق وإنما كتبت له ليلقيها في الجيش، وإنها في هذه الحالة من إنشاء عربي من الفاتحين يتقن الكتابة بل لعل مهمته كانت تقضي أن يكتب للجيش ولقائده. وليس هذا بغريب فقد كان مألوفا أن تكتب للأمراء والوزراء خطبهم ورسائلهم، بل مازلنا اليوم نرى المسؤولين على مختلف طبقاتهم يكتب لهم حين يريدون أن يخطبوا أو يراسلوا ، سواء منهم من يعرف اللغة أو يجهلها.
ونفي إنشاء الخطبة عن طارق لايمس إسلامه ولا يطعن في عملية الفتح أو يشكك في حقائق التاريخ كما قد يظن".
ومن المصادر التي وردت فيها الخطبة منسوبة إلى طارق تاريخ ابن حبيب المتوفى سنة 239هـ،وكتاب " الإمامة والسياسة" لابن قتيبة المتوفى سنة 276هـ، وفي " سراج الملوك" للطرطوشي المتوفى سنة 520هـ، وفي" ريحان الألباب وريعان الشباب في مراتب الآداب" لأبي محمد عبد الله بن إبراهيم المواعيني الأشبيلي وكان معاصرا للموحدين، وفي " وفيات الأعيان" لابن خلكان المتوفى سنة 681هــ، وفي " تحفة الأنفس وشعار أهل الأندلس" لعلي بن عبد الرحمن بن هذيل من كتاب القرن الثامن الهجري.
هذا، وقد ذهب المؤرخ الشامي شوقي أبو خليل إلى إثباتها، وعلق على هذه الخطبة قائلا: " يحلو لبعض المعاصرين التحذلق فقالوا: طارق بربري... فلا يعقل مطلقا أن يخطب خطبة محبوكة فصيحة مثل هذه الخطبة الرائعة، التي وازن فيها في ترغيب ساحر أخاذ بين الدين والدنيا.
فأي موجب للشك في نسبة هذه الخطبة لطارق، وطارق اشتهر في قومه بالفصاحة....، ماذا يفيد الارتياب في أمر تتشابه دلائل عديدة في مراجعنا وبشكل صريح، علما أن الأدلة لا تتكامل على نقضه ففي " نفح الطيب" وصف لطارق يقول:" إن طارقا كان حسن الكلام، ينظم مايجوز كتبه"...علما أن والد طارق زياد أسلم منذ أيام عقبة بن نافع... لذلك شب طارق في بيت مسلم، لقنه تعاليم الإسلام، أبوه من ناحية، وموسى من ناحية ثانية.
عجبا للأجانب شرقيهم وغربيهم، إن وجدوا في تاريخهم قصة أو قولا أو حادثة تنهض بجيلهم، وتثبت في نفوس النشء روحا وتربطهم بأمتهم وذاتيتهم، صححوها وإن لم يروا إلا مرجعا واحدا من مراجعهم، بل قد يختلقون أحداثا، وينسجون قصصا يلصقونها برجالاتهم لما في ذلك من مصلحة للجيل وفائدة للنشء، وخير للأمة، وعجبا لنا....مابالنا؟!، مراجعنا تذكر أن طارق كان حسن الكلام، ينظم ما يجوز كتبه، وترعرع في بيت مسلم يتلى فيه قرآن كريم، ثم يأتينا من يقول: ما أظن، وكان اجتيازه البحر في شهر رجب سنة اثنتين وتسعين هجرية(710م)"
وعلى العموم، فخطبة طارق بن زياد ثابتة بلا ريب كما رأينا في كتب الأدب والتاريخ بدون الدخول في جدال عقيم لافائدة منه، كما أن طارق بن زياد قادر ومؤهل لإلقاء هذه الخطبة مادام شاعرا مفلقا ينظم الأشعار ويكتب القريض باعتراف المقري صاحب "النفح الطيب"، فإذا كان طارق شاعرا يعترف له بالشاعرية والنبوغ وجودة الإبداع، فما بالك بشاعر يخطب في الناس بنص نثري يخلو من الإيقاع ولا يعتمد إلا على الصور البلاغية وأسلوبي الترغيب والترهيب، فإنه من الطبيعي أن يكون شاعرا في خطبته ومفلقا في نصه النثري المسترسل روعة وبيانا.

خاتمــــة:

يتبين لنا من خلال هذا العرض أن طارق بن زياد من أهم أبطال المقاومة الأمازيغية في العصر العربي الوسيط ، ومن أهم الفاتحين المسلمين الذين أظهروا شجاعة كبيرة وبلاء عظيما في التحدي والصمود ؛ مما جعله يفتح الأندلس بإيمان صادق بعد انتصاره على لذريق ملك القوط سنة 92هـ، واستطاع بجيشه البربري الذي كان يقوده إلى جانب مجموعة من قادة العرب التوغل في شبه الجزيرة الأيبيرية لنشر الإسلام، وتثبيت العقيدة الربانية السمحة القائمة على اليسر والتعايش والتقوى، وبناء الحضارة الإنسانية التي تجسدت بكل جلاء ووضوح في الكثير من مدن إسبانيا وخاصة في غرناطة وطليطلة.
هذا، ولقد انطلقت الحضارة الغربية من بلاد الأندلس التي فتحها طارق بن زياد لتنشر إشعاعها الثقافي والفكري والعلمي والفني والتقني في كل ربوع أوربا المسيحية التي كانت تعيش في الظلمة الحالكة والجهل المطبق في العصور الوسطى.
ويكفي طارق فخرا ومجدا ما كان يجري على لسانه من فصاحة وبلاغة وقدرة على الإبداع و نظم الشعر وقرضه. ولكن سيبقى طارق بن زياد خالدا في صفحات التاريخ بفضل فتحه للأندلس الفيحاء، وبسبب خطبته المشهورة التي حيرت الفصحاء والبلغاء والمبدعين لروعة بيانها وجمال أسلوبها ودقة صورها الفنية، وما تركته من انطباعات رائعة وبصمات خالدة وما خلفته من آثار إيجابية طوال التاريخ العربي.
avatar
tebessi

عدد الرسائل : 95
تاريخ التسجيل : 06/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى